أحمد بن علي القلقشندي
13
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ومنها جند فلسطين ، وهي الأرض المقدّسة ، وبها المسجد الأقصى ، وكرسيّ النصرانية ، ومعتقد غيرها ، ومحجّ النصارى واليهود طرّا ، ومقرّ داود وسليمان ومسجدهما . وبها مسجد إبراهيم وقبره وقبر إسحاق ويعقوب ويوسف وإخوته وأزواجهم عليهم السلام ، وبها مولد المسيح وأمّه وقبرها . هذا إلى ما نتقلَّده من أمر مكة المحفوفة بالآيات الباهرة ، والدلالات الظاهرة ؛ فإنا لو لم نتقلَّد غيرها لكانت بشرفها ، وعظم قدرها ، وما حوت من الفضل توفي على كل مملكة ، لأنها محجّ آدم ومحجّ إبراهيم وارثه ومهاجره ، ومحجّ سائر الأنبياء ، وقبلتنا وقبلتهم عليهم السلام وداره وقبره ( 1 ) ، ومنبت ولده ، ومحجّ العرب على مرّ الحقب ، ومحلّ أشرافها ، وذوي أخطارها ، على عظم شأنهم ، وفخامة أمرهم . وهو البيت العتيق ، المحرّم المحجوج إليه من كل فجّ عميق ، الذي يعترف بفضله وقدمه أهل الشرف ، من مضى ومن خلف ؛ وهو البيت المعمور ، وله الفضل المشهور . ومنها مدينة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم المقدّسة بتربته ، وإنّها مهبط الوحي ، وبيضة هذا الدّين المستقيم الذي امتدّ ظلَّه على البرّ والبحر ، والسّهل والوعر ؛ والشّرق والغرب ، وصحارى العرب على بعد أطرافها ، وتنازح أقطارها ، وكثرة سكَّانها في حاضرتها وباديتها ، وعظمها في وفودها وشدّتها ، وصدق بأسها ونجدتها ، وكبر أحلامها ، وبعد مرامها ، وانعقاد النصر من عند اللَّه براياتها . وإن اللَّه تعالى أباد خضراء ( 2 ) كسرى ، وشرّد قيصر عن داره ومحل عزّه ومجده بطائفة منها . هذا إلى ما تعلمه من أعمالنا ؛ وتحت أمرنا ونهينا ثلاثة كراسيّ من أعظم كراسيّكم : بيت المقدس ، وأنطاكية ، والإسكندريّة ، مع ما إلينا من البحر وجزائره ، واستظهارنا
--> ( 1 ) يظهر أنه مقدم على ما بعده ، ويكون الضمير فيه عائدا على « ولده » أي إسماعيل فإن مكة كانت داره ومنبته . ( 2 ) الخضراء : سواد القوم ومعظمهم ؛ وفي حديث الفتح « أبيدت خضراء قريش » أي دهماؤهم وسوادهم . ( انظر اللسان : 4 / 245 ) .